ابن تيمية
35
مجموعة الرسائل والمسائل
ونحن أغنياء ) إلى آخر الآية . فإذا كان هذا قوله فيمن وصفه بأنه فقير إلى أموالهم ليعطيها الفقراء ، فكيف قوله فيمن جعل ذاته مفتقرة إلى مخلوقاته ، بحيث لولا مخلوقاته لانتشرت ذاته وتفرقت وعدمت ، كما ينتشر نور العين ويتفرق ويعدم إذا عدم الجفن ؟ وقد قال في كتابه ( إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا ) الآية . فمن يمسك السماوات ؟ وقال في كتابه ( ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ) الآية . وقال ( رفع السماوات بغير عمد ترونها ) وقال ( وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم ) لا يؤده لا يثقله ولا يكرثه ، وقد جاء في الحديث حديث أبي داود " ما السماوات والأرض وما بينهما في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ، والكرسي في العرش كتلك الحلقة في الفلاة " وقد قال في كتابه " وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة ) الآية . وقد ثبت في الصحاح من حديث أبي هريرة وابن عمر وابن مسعود " إن الله يمسك السماوات والأرض بيده " فمن يكون في قبضته السماوات والأرض ، وكرسيه قد وسع السماوات والأرض ، ولا يؤده حفظهما ، وبأمره تقوم السماء والأرض ، وهو الذي يمسكها أن تزولا ، أيكون محتاجاً إليهما مفتقراً إليهما ، إذا زالا تفرق وانتشر ؟ وإذا كان المسلمون يكفرون من يقول : إن السماوات تقله أو تظله لما في ذلك من احتياجات إلى مخلوقاته ، فمن قال : إنه في استوائه على العرش محتاج إلى العرش كاحتياج المحمول إلى حامله فإنه كافر ؟ لأن الله غني عن العالمين ، حي قيوم ، هو الغني المطلق وما سواه فقير إليه ، مع أن أصل الاستواء على العرش ثابت بالكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة وأئمة السنة ، بل هو ثابت في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل ، فكيف بمن يقول أنه مفتقر إلى السماوات والأرض ، وأنه إذا ارتفعت السماوات والأرض تفرق وانتشر وعدم ؟ فإن حاجته في الحمل إلى العرش أبعد من حاجة ذاته إلى ما هو دون العرش .